عبد الشافى محمد عبد اللطيف
63
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
هذا الموقف لا يمكن أن يفهم إلا في ضوء مكانة قريش بين العرب من ناحية ، وفي ضوء علاقات ثقيف بقريش من ناحية . فمكانة قريش الممتازة بين العرب وزعامتها ليست محل نزاع ، وبناء على ذلك فإن أية قبيلة تقترب من النبي صلّى اللّه عليه وسلم في مرحلة الصراع بينه وبين قريش ، كان يعتبر ذلك عداء مكشوفا لقريش ، فإذا آمنت به وآزرته فإنها الحرب الصريحة لا محالة ، ولم يكن أحد من العرب - لا ثقيف ولا غيرها - راغبا في أن يدخل مع قريش لا في عداء ولا في حرب . وقد يتميز موقف ثقيف عن غيرها من العرب في هذه الناحية بعلاقاتها القوية مع قريش ، وكانت هذه العلاقات متعددة ومتنوعة ، فيوجد بين مكة ؛ حيث تسيطر قريش ، وبين الطائف ؛ حيث تسيطر ثقيف - أكثر من وجه للشبه ، فإذا كانت مكة هي قلعة الوثنية في بلاد العرب ؛ فإن الطائف مركز من مراكزها ، وإذا كانت مكة مدينة تجارية ؛ فإن الطائف مدينة تجارية زراعية صناعية ، وكانت تصرف منتجاتها في مكة ، وفي الأسواق الواقعة بينهما « وكان تجار مكة يجلبون من الطائف الخمور والزبيب والأدم ( الجلود المدبوغة ) ، وكان أهل مكة يستهلكون كثيرا من أعناب الطائف ورمانها ، كما أن الثقيفيين كانوا يشاركون في قوافل مكة التجارية » « 1 » . وفوق ذلك فقد كانت هناك كثير من المصاهرات بين قريش وثقيف « 2 » وكان معظم أغنياء مكة يملكون دورا وعقارات في الطائف ويقضون الصيف بها ، بل كان هناك قرشيون يعيشون في الطائف بصفة دائمة « 3 » . كما كانت القبيلتان تتشاوران في الأمور الخطيرة ، وتتبادلان الرأي « 4 » . مما سبق يتضح لنا أن العلاقات والمصالح المشتركة ، جمعت بين المدينتين ووحدت بين مواقفهما ، فلما بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلم وعارضته قريش ، بل تزعمت معارضته ؛ كانت حريصة على أن تضمن ولاء أصدقائها للوقوف معها في وجه النبي صلّى اللّه عليه وسلم الذي رأت - لقصر نظرها - أن رسالته تهدد مصالحها ، ولذلك يلمح الإنسان نوعا من توحيد المواقف . فقولهم جميعا كما يقص القرآن الكريم : وَقالُوا *
--> ( 1 ) أحمد إبراهيم الشريف - مكة والمدينة في الجاهلية وعصر الرسول ، ( الطبعة الثانية ، القاهرة : دار الفكر العربي ) ( ص 147 ) . ( 2 ) ابن هشام - المصدر نفسه ( 3 / 361 ) . ( 3 ) ياقوت معجم البلدان ( 4 / 9 ) أحمد إبراهيم الشريف - المرجع نفسه ( ص 147 ) . ( 4 ) ابن هشام - المرجع نفسه .